بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 18 أبريل 2010

صلّى ابن سعود بمسجد «بن خاطر» فزاره عيسى بن علي

الوقت - قسم الدراسات والتطوير
جلال الهارون الأنصاري:




إن زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود لبلده الثاني مملكة البحرين، تأتي مكملة لسجل طويل وحافل من العلاقات والزيارات الأخوية المشرقة والمشرفة للملوك من أسرة آل سعود وآل خليفة، والتي يمتد تاريخها لأكثر من مئتي عام. فالمتتبع لتاريخ البحرين والمملكة العربية السعودية سيجد بأن العلاقات الرسمية والسياسية تمتد بين البلدين إلى عهد الدولة السعودية الأولى (1745-1818)، مروراً بالدولة السعودية الثانية، وصولاً إلى العهد الجاري. وأشهر الزيارات التاريخية زيارات قام بها جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود للبحرين في الفترة (1890-1939) المحفورة في ذاكرة الأجيال من مواطني كلا البلدين الشقيقين. ولد الملك عبدالعزيز آل سعود العام 1874 وتوفي العام .1953 وفي هذه الرحلة الطويلة من العمر التي عاشها جلالته عاصر ثلاثة من أشهر حكام البحرين وهم بالتوالي الشيخ عيسى بن علي آل خليفة والشيخ حمد بن عيسى آل خليفة والشيخ سلمان بن حمد آل خليفة. وتخللتها زيارات للبحرين، أشهرها ثلاث.الزيارة الأولى كانت الزيارة الأولى لجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود في العام 1891 بمعية والده الإمام عبدالرحمن الفيصل يصحبه بقية أبناؤه، محمد وسعد وأبناء عمومته مساعد، عبدالله، وفهد أبناء جلوي بن تركي. وكان ذلك مباشرة بعد احتلال أمير حائل ''ابن رشيد'' لمدينة الرياض، مما اضطر أسرة آل سعود للخروج منها متجهين نحو الإحساء، التي دخلوها في شهر جمادى الثانية .1891 ونزلوا في بستان ''عين نجم'' وفيها اتصلوا بمتصرف لواء الإحساء الفريق محمد عاكف باشا الذي أرسل لهم طبيباً لبنانياً تابعاً للجيش العثماني يدعى ''زاخور عازار'' فقدم لهم الرعاية الطبية اللازمة. ثم غادروا الإحساء إلى الكويت فمنعهم الأتراك من دخولها، فعادوا إلى البادية وأقاموا بين قبيلتي ''العجمان وآل مرة'' لمدة سبعة شهور. ثم توجهوا إلى قطر ثم عادوا إلى الإحساء بعد أن أقاموا نحو شهرين في قطر، ثم غادروا الإحساء قاصدين دارينi.ومنها اتجهوا صوب البحرين ترافقهم مجموعة من سفن قبيلة العماير. وتفيد الروايات البحرينية التي يتناقلها الناس بأن الملك عبدالعزيز آل سعود وأفراد أسرته دخلوا البحرين ليلاً فصلوا صلاة الفجر في مسجد ''بن خاطر''. وحينما علم بهم الحاكم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة جاءهم مرحباً وأخذهم إلى قصره وأكرمهمii. ويعتقد ''فيلبي'' بأن الإمام عبدالرحمن أسكن عائلته في البحرين بعد يناير/ كانون الثاني 1891 ومنهم الملك عبدالعزيز، حيث بقوا في البحرين أكثر من سنة. في هذه الفترة كان الشيخ عيسى مقدراً للأمير الشاب عبدالعزيز آل سعود وله من العمر وقتئذ نحو عشر سنين. وتركت هذه الزيارة في نفس الملك عبدالعزيز الشيء الكثير فقد ظل محباً للشيخ عيسى آل خليفة، فكان يكثر من استشارته ويأخذ بنصائحه طوال حياتهiii. ويذكر بأن الشيخ عيسى بن علي آل خليفة سأل الأمير عبدالعزيز في تلك الفترة أيهما أجمل في نظرك قطر أم البحرين؟ فأجابه الأمير الشاب، الرياض أجمل، فسر الشيخ عيسى بهذا الجواب.
الـــزيــارة الــثـــانــيـــــة
وبعد مرور 39 عاماً على الزيارة الأولى للملك عبدالعزيز آل سعود للبحرين ولقائه الأول بعيسى بن علي آل خليفة، قيضت له الظروف الالتقاء به ثانية وتحقق لجلالته إعادة الذكريات الجميلة، فكانت الزيارة الثانية للبحرين في العام .1930 فقد وجهت دعوة إلى جلالة الملك عبدالعزيز للاجتماع مع الملك فيصل الأول ملك العراق بهدف دعم العلاقات الودية بين الدولتين الشقيقتين، فوافق الملك عبدالعزيز على الدعوة واتجه إلى راس تنورة، ومن هناك استقل سفينة تابعة لشركة الاتصالات السلكية (باتريك ستيورات). وكان بمعيته كاتبه ومترجمه الذي كتب يقول بأن الملك فيصل وصل على ظهر سفينة أخرى تسمى نياركوس (Nearchus). ثم وصل القنصل العام ''همفري'' على سفينة شراعية تسمى (لوبين) وعقد الاجتماع في 27 فبراير/ شباط .1930 وبعد عقد ثلاثة لقاءات أعرب فيها الملكان عن الصداقة وحسن النية نحو بعضهما البعض، ثم غادر جلالة الملك عبدالعزيز إلى الإحساء وفي طريقه قرر زيارة صديقه القديم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين.كان حاكم البحرين على اتصال دائم ومستمر بجلالة الملك عبدالعزيز وكان متعاطفاً مع طموحاته الكبيرة، وأثناء العودة إلى العجير أمر الملك عبدالعزيز قبطان السفينة بأن يتوجه إلى المنامة في البحرين. وأمر أيضاً مترجمه الخاص بأن يبعث برقيتين إحداهما إلى الشيخ عيسى بن علي في البحرين والثانية إلى القنصل البريطاني ''همفري'' إشعارا له برغبة الملك في زيارة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في البحرين. ولكن الملك عبدالعزيز تلقى رداً من القنصل البريطاني في منتصف الليل والسفينة على وشك الإرساء بالبحرين رد فيها القنصل البريطاني بأن الشيخ عيسى بن علي مريض وغير متواجد حالياً في المنامة لذا لا يمكن له أن يجتمع به، كما نصح المقيم البريطاني الملك بعدم القيام بالزيارة. وفي الوقت نفسه أبلغ المقيم الشيخ حمد بأن الملك ألغى زيارته، لذا اضطر جلالة الملك عبدالعزيز على كره أن يبقى على ظهر السفينة ثم يغادر في وقت لاحق إلى العقير. ولكن البرقية المزعومة من القنصل البريطاني كانت كاذبة، ففي الصباح الباكر عندما سمع أبناء الشيخ عيسى بأن الملك لا ينوي النزول في الميناء بل يبقى على ظهر السفينة جاءوا جماعة في مراكب صغيرة والتمسوا من جلالة الملك النزول في الميناء، حيث ينتظره أبوهم. خاطبوا جلالة الملك ''إما تنزل وتجتمع مع والدنا وإلا نحن نسافر معك إلى الرياض'' ومع إصرارهم الشديد على ذلك وافق الملك على النزول.ويصف القبطان (برايور) المعتمد في البحرين الاستقبال الرائع الذي استقبل به الملك عبدالعزيز في البحرين من قبل نحو خمسة آلاف شخص معظمهم من العرب وخاصة من النجديين حتى أن حرس الشرف شاركوا الجماهير في الاستقبال ودخل الملك في السيارة بصعوبة واتجه إلى القصر، حيث رحب به الشيخ عيسى وابتهج بلقاء الضيف الكريم بعد عدة سنوات مرت منذ لقائهما الأخير. ومما قال الشيخ عيسى لضيفه الملك ''إنني كنت خائفا ان أموت من دون أن أراك ثانية لكني الآن سأموت وأنا مطمئن ومرتاح البال بعد أن تشرفت بلقائك وأنت في هذا الشرف والعز''. فأجابه ابن سعود قائلاً ''لقد توفي والدي وليس هناك من أستشيره عداك''iv، ودار بينهما حوار طويل استمر لعدة ساعات تضمن طرح المشكلات التي واجهها الملك وأعرب عن رغبته في إنشاء مملكة موحدة، حيث يعيش فيها الجميع بأمان ورخاء. ثم تناول جلالة الملك العشاء مع الشيخ عيسى وأسرته وبعد قليل قام الملك والشيخ حمد بزيارة لمدينة الرفاع وبصحبتهما مندوب الملك في البحرين وهو عبدالرحمن بن حسن القصيبي. وعند مغادرة جلالة الملك رافقه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة لتوديعه على شاطئ الزلاق. وقبل مغادرة جلالة الملك عبدالعزيز للبحرين عرض على الشيخ حمد بن عيسى فكرة تأدية فريضة الحج إذ قال جلالته في آخر كلمة له وهو يودعه ''لن أرضى حتى أراك في مكة''. ولبى الشيخ حمد دعوة الملك عبدالعزيز فحج سنة 1938 وذلك عن طريق البحر. ومما كتبه القبطان (برايور) ''إن هذه الزيارة شجعت الوعي الوطني.. وإن ابن سعود ذو تأثير قوي كالتأثير القوي للقيصر الألماني على الحكام في عهده''. كان القبطان (برايور) غير مدرك لعادات العرب وخصوصاً بين أولئك الذين تربطهم روابط القربى والصداقة والمصير المشترك.
الزيــارة الثــالثـــة:
كان من عادة شيوخ البحرين أن يسافروا للسلام على الملك عبدالعزيز حين يزور المنطقة الشرقية، وممن وصف لنا هذه العادة النبيلة الجيولجي الأميركي ''توماس سي. بارغر'' قائلاً .. في 15 ديسمبر/ كانون الأول 1937 وصل حاكم البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة إلى بر الظهران في مركب لاستقبال ولي العهد السعودي الأمير سعود بن عبدالعزيز آل سعود، وكان على رجال حاكم البحرين إعادة نصب خيمته لأنها كانت قريبة جداً من خيمة الأمير سعود مما لا يسمح لهما بزيارة بعضهما البعض بشكل لائق. وعند وصول الأمير سعود استقبله الوجهاء المحليون ورافقوه إلى خيمته، وبعد وقت قصير، بدأ الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة بالتحرك من خيمته، وتقدم الأمير سعود وحاشيته لملاقاته في منتصف الطريق تقريباً وتبادلا القبل.. عدت لمشاهدة الاحتفال كان كل عربي مسلحا إما بسيف أو ببندقية أو بالاثنين معاً، ولم يسبق لي ان شاهدت مجموعة من البنادق بهذا التنوع من كل الأصناف والعيارات من أحدث البنادق الآلية، إلى تلك التي تعبأ من ماسورتها، كالتي نراها في الأفلام.ثم بدأ العرب بالرقص، كانت الطبول هي الموسيقى الوحيدة التي يرددون إحدى الأغاني على إيقاعها. كان الراقصون يرفعون بنادقهم وهم مجتمعون في صفين ويحركون أقدامهم إلى الإمام وإلى الوراء مثل الراقصين الهنود الأميركيين، بعد قليل، خرج الأمير سعود والشيخ حمد وجلسا تحت مظلة، حاول أربعة منا شق طريقنا عبر الجموع وحول الجنود محاولين أخذ الصور. بعدها اختلطنا مع الراقصين ونحن نأخذ مزيداً من الصور، وأطلق أحدهم عيارا ناريا من بندقيته المحشوة على الأرض قرب زميلي ''هيرنج'' الذي قفز فعلياً. ظن الجميع أن ذلك مسل جداً، فنتج عنه إطلاق عيارات أخرى. كانوا يطلقون عيارات فارغة فقط ولكن صوتها قوي جداً، وبعد الاحتفالات أبحر الشيخ حمد وولي العهد الأمير سعود متوجهين إلى البحرين، حيث سيهدي الشيخ حمد آل خليفة إلى الأمير سعود سيارة ''الستودبكر'' الفخمة.كان الهدف من هذه العادة النبيلة التي اعتادها الشيوخ من آل خليفة الكرام هي توجيه الدعوة لجلالة الملك عبدالعزيز وأنجاله الكرام في كل مرة يزورون بها المنطقة الشرقيةv. وفي العام 1939 زار الملك عبدالعزيز مدينة الظهران ليتفقد أعمال الحفر والتنقيب عن البترول في تلك المنطقة من بلاده، وعندما علم بذلك حاكم البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة توجه إليه رأساً، حيث استقبله جلالة الملك عبدالعزيز في بر الظهران بكل حفاة وتقدير، وتم توجيه الدعوة له لزيارة البحرين فقبلها فكانت الزيارة الثالثة له للبحرين العام .1939 ورافقه بالزيارة كل من الأمير سعود والأمير فيصل وأفراد من الأسرة السعودية وقد كان الملك مسروراً لحفاوة الاستقبال ودامت زيارته سبعة أيام، حيث غادر البحرين في السابع من مايو/ أيار. وفي هذه الزيارة قدم الشيخ حمد للملك عبدالعزيز ''سيف'' الإمام تركي بن عبدالله آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثانية والمتوفى سنة 1834 ويسمى هذا السيف الذي قدمه سموه للملك (بالسيف الأجرب) فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن قال ''هذه ذكرى منا عندكم فأبقوه لديكم''. وكان السيف سبق وأن أهداه الأمير سعود بن فيصل بن تركي آل سعود لسمو الشيخ عيسى بن علي آل خليفة عندما زار البحرين العام .1871
هوامش:
.i العلاقات السعودية البحرينية بعهد الملك عبدالعزيزالتصدي السعودي للحكم العثماني في الاحساء و القطيف، تاليف الدكتور عبدالله بن ناصر السبيعي، الطبعة الاولى 1999م الصفحة .130ii . مساجد المحرق تاريخ و تراث، تاليف الشيخ صلاح الجودر، الطبعة الاولى، الصفحة .140iii . مجلة الوثيقة، العدد التاسع، السنة الخامسة، شوال 1406هـ، يوليو/ تموز 1986م الصفحات76-.77iv . مجلة الوثيقة، العدد التاسع، السنة الخامسة، شوال 1406هـ، يوليو/ تموز 1986م الصفحة .83v . تحت القبة الزرقاء، رسائل من العربية السعودية، توماس سي. بارغر، دار برزان للنشر، بيروت، الطبعة الاولى - 2004م، ص.24

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق